أبي منصور الماتريدي
39
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 11 إلى 13 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 11 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 12 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 13 ) وقوله - عزّ وجل - : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . قال بعضهم : بِإِذْنِ اللَّهِ يعني : بأمر الله ، وهو قول الحسن . وقال بعضهم : بِإِذْنِ اللَّهِ يعني : بعلم الله . وقال بعضهم : بِإِذْنِ اللَّهِ يعني : بمشيئة الله . ولكل من ذلك وجه : فأما من قال : بأمر الله ، فمعناه وحجته : أن هذه المصائب كلها عقوبات ؛ ألا ترى إلى قوله : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] . ومعلوم أن جزاء ما كسبت يده عقوبة له ، والتعذيب والعقوبة إنما يكون بأمر الله ؛ فلذلك قال : معنى قوله : بِإِذْنِ اللَّهِ أي : بأمر الله . لكن عندنا هذا يرجع إلى ما يصيبهم من أيدي الخلق ، كقوله تعالى : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [ التوبة : 14 ] ، وقوله : هَلْ تَرَبَّصُونَ . . . . إلى قوله : أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا [ التوبة : 52 ] ونحو ذلك ، وهذه المصائب لا تحتمل [ تأويلا للأمر ] « 1 » من الله تعالى . ومن قال : بعلم الله ، فوجه ذلك : أن هذه المصائب فيها إهلاك العبيد ، وفي الشاهد أنه لا يحب أحدا أن يعلم بما فيه هلاك عبيده وخدمه ، فأخبر - عزّ وجل - أن هذه المصائب وإن كان فيها هلاك عبيده فإنما يكون ذلك بعلمه ، وأن هلاكهم لا يضره ، ولا ينقص من ملكه ؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أنشأ ما أنشأ من الخلائق لحاجة لهم ، ولمنفعة ترجع إليهم ومضرة تلحقهم ؛ فحلول ما يحل بهم من المصائب لا يضره ولا ينفعه [ لذلك كان علمها ما ذكر ] « 2 » . ومن قال : بمشيئة الله وإرادته فوجه ذلك : أن الله تعالى وعد وأوعد ، ولا محالة يريد من عبيده ما يكون بوعيده عادلا وأن يضع وعده موضعه ، وإذا كان كذلك ثبت أنه يريد من كل أحد ما يعلم أنه يكون منه ؛ لأنه إذا خلق النار ، وأوعد عليها ، فلو أراد من كل منهم الطاعة ، لكان إذا أحرق بالنار أحرق من أراد منه الطاعة فدخل في حد الجور ، ولو كان
--> ( 1 ) في أ : الأمر . ( 2 ) في ب : لذلك على ما ذكر .